[ al-Kahfi (18) : 22 ]
From Tafsir al-Qurtubi:
[ ص: 343 ] قَوْلُهُ تَعَالَى : سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ الضَّمِيرُ فِي سَيَقُولُونَ يُرَادُ بِهِ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَمَعَاصِرِي مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ أَهْلِ الْكَهْفِ هَذَا الِاخْتِلَافَ الْمَنْصُوصُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ النَّصَارَى ; فَإِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ حَضَرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَجْرَانَ فَجَرَى ذِكْرُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ : كَانُوا ثَلَاثَةً رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ . وَقَالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ : كَانُوا خَمْسَةً سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ . وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كَانُوا سَبْعَةً ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ . وَقِيلَ : هُوَ إِخْبَارٌ عَنِالْيَهُودِ الَّذِينَ أَمَرُوا الْمُشْرِكِينَ بِمَسْأَلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ . وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْطَرِيقُ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهَا وَاوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ فِي آخِرِ إِخْبَارٍ عَنْ عَدَدِهِمْ ; لِتَفْصِلَ أَمْرَهُمْ ، وَتَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا غَايَةُ مَا قِيلَ ، وَلَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الْكَلَامُ . وَقَالَتِ فِرْقَةٌ مِنْهَا ابْنُ خَالَوَيْهِ : هِيَ وَاوُ الثَّمَانِيَةِ . وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ قُرَيْشًاكَانَتْ تَقُولُ فِي عَدَدِهَا سِتَّةً سَبْعَةً وَثَمَانِيَةً ; فَتُدْخِلُ الْوَاوَ فِي الثَّمَانِيَةِ . وَحَكَى نَحْوَهُ الْقَفَّالُ ، فَقَالَ : إِنَّ قَوْمًا قَالُوا الْعَدَدُ يَنْتَهِي عِنْدَ الْعَرَبِ إِلَى سَبْعَةٍ ، فَإِذَا احْتِيجَ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا اسْتُؤْنِفَ خَبَرٌ آخَرُ بِإِدْخَالِ الْوَاوِ ، كَقَوْلِهِ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ -ثُمَّ قَالَ - وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ . يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا بِلَا وَاوٍ ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْجَنَّةَ قَالَ : وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا بِالْوَاوِ . وَقَالَ خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ثُمَّ قَالَ وَأَبْكَارًا فَالسَّبْعَةُ نِهَايَةُ الْعَدَدِ عِنْدَهُمْ كَالْعَشَرَةِ الْآنَ عِنْدَنَا . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ : وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ تَحَكُّمٌ ، وَمِنْ أَيْنَ السَّبْعَةُ نِهَايَةٌ عِنْدَهُمْ ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ وَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْمَ الثَّامِنَ بِالْوَاوِ . وَقَالَ قَوْمٌ مِمَّنْ صَارَ إِلَى أَنَّ عَدَدَهُمْ سَبْعَةٌ : إِنَّمَا ذَكَرَ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْأَعْدَادِ الْأُخَرِ الَّتِي قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْكِتَابِ ; وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهَا بِشَيْءٍ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ هُمْ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ . وَالرَّجْمُ : الْقَوْلُ بِالظَّنِّ ; يُقَالُ لِكُلِّ مَا يُخْرَصُ : رُجِمَ فِيهِ وَمَرْجُومٌ وَمُرَجَّمٌ ; كَمَا قَالَ :
وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ
قُلْتُ : قَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزْنَوِيُّ : وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ كَانُوا ثَمَانِيَةً ، [ ص: 344 ] وَجَعَلَا قَوْلَهُ - تَعَالَى -وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ أَيْ صَاحِبُ كَلْبِهِمْ . وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي طَرِيقَ النَّحْوِيِّينَ فِي الْوَاوِ ، وَأَنَّهَا كَمَا قَالُوا . وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ : لَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ : رَابِعُهُمْ سَادِسُهُمْ ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَكَانَ جَائِزًا ، فَطَلَبُ الْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاوِ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى .
قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إِلَيْهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ عَالِمَ ذَلِكَ مِنَ الْبَشَرِ قَلِيلٌ . وَالْمُرَادُ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ; فِي قَوْلِ عَطَاءٍ . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَنَا مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلِ ، كَانُوا سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبْعَةَ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَالْكَلْبُ اسْمُهُ قِطْمِيرُ كَلْبٌ أَنْمَرُ ، فَوْقَ الْقَلَطِيِّ وَدُونَ الْكُرْدِيِّ . وَقَالَمُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : هُوَ كَلْبٌ صِينِيٌّ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ زُبَيْرِيٌّ . وَقَالَ : مَا بَقِيَ بِنَيْسَابُورَ مُحَدِّثٌ إِلَّا كَتَبَ عَنِّي هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مَنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ . قَالَ : وَكَتَبَهُ أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ عَنِّي .
قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا أَيْ لَا تُجَادِلْ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ إِلَّا بِمَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ ; وَهُوَ رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - . وَقِيلَ : مَعْنَى الْمِرَاءِ الظَّاهِرِ أَنْ تَقُولَ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ، وَنَحْوُ هَذَا ، وَلَا تَحْتَجَّ عَلَى أَمْرٍ مُقَدَّرٍ فِي ذَلِكَ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُبَيِّنْ لِأَحَدٍ عَدَدَهُمْ فَلِهَذَا قَالَ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا أَيْ ذَاهِبًا ; كَمَا قَالَ :
وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
وَلَمْ يُبِحْ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُمَارِيَ ; وَلَكِنَّ قَوْلَهُ إِلَّا مِرَاءً اسْتِعَارَةٌ مِنْ حَيْثُ يُمَارِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ . سُمِّيَتْ مُرَاجَعَتُهُ لَهُمْ مِرَاءً ثُمَّ قُيِّدَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ ; فَفَارَقَ الْمِرَاءَ الْحَقِيقِيَّ الْمَذْمُومَ . وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِيهِمْ عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ الْكَهْفِ . وَقَوْلُهُ : فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ يَعْنِي فِي عِدَّتِهِمْ ; وَحُذِفَتِ الْعِدَّةُ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْقَوْلِ عَلَيْهَا .
قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَأَلَ نَصَارَى نَجْرَانَ عَنْهُمْ فَنُهِيَ عَنِ السُّؤَالِ . وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مِنْهُمْ عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُعَارِضِينَ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُرَاجَعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ .
From Tafsir Ibn Katsir:
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي عِدَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، فَحَكَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِرَابِعٍ ، وَلِمَا ضَعَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ : ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) أَيْ : قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ ، كَمَنْ يَرْمِي إِلَى مَكَانٍ لَا يَعْرِفُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُصِيبُ ، وَإِنْ أَصَابَ فَبِلَا قَصْدٍ ، ثُمَّ حَكَى الثَّالِثَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَوْ قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . [ ص: 148 ]
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ) إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ رَدُّ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ إِذْ لَا احْتِيَاجَ إِلَى الْخَوْضِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِلَا عِلْمٍ ، لَكِنْ إِذَا أَطْلَعَنَا عَلَى أَمْرٍ قُلْنَا بِهِ ، وَإِلَّا وَقَفْنَا حَيْثُ وَقَفْنَا .
وَقَوْلُهُ : ( مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) أَيْ : مِنَ النَّاسِ . قَالَ قَتَادَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - كَانُوا سَبْعَةً . وَكَذَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَنَا مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ ، وَيَقُولُ : عَدَّتُهُمْ سَبْعَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) قَالَ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ ، كَانُوا سَبْعَةً .
فَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةً ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَضَحُ الْوَرِقِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكَانُوا كَذَلِكَ لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، يَبْكُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ بِاللَّهِ ، وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ :مَكْسَلْمِينَا وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْمَلِكَ عَنْهُمْ ، وَ مَجْسِيمِيلِنِينَا وَتِمْلِيخَا وَمَرْطُونَسُ ، وَكَشْطُونَسُ ، وَبَيْرُونَسُ ،وَدِيمُوسُ ، وَيَطُونَسُ وَقَالُوشُ .
هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَيُحْتَمَلُ هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَمِنْ بَيْنِهِ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةً ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَّائِيِّ أَنَّ اسْمَ كَلْبِهِمْ حِمْرَانُ ، وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَاسْمِ كَلْبِهِمْ نَظَرٌ فِي صِحَّتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ فَإِنَّ غَالِبَ ذَلِكَ مُتَلَقًّى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ) أَيْ : سَهْلًا هَيِّنًا ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ ( وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) أَيْ : فَإِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا مَا يَقُولُونَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ، أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى كَلَامٍ مَعْصُومٍ ، وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَقِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ ،
فَهُوَ الْمُقَدِّمُ الْحَاكِمُ عَلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمُهُ مِنَ الْكُتُبِ وَالْأَقْوَالِ .
From atTahrir wat Tanwir by Ibn 'Aasyur:
لَمَّا شَاعَتْ قِصَّةُ أَهْلِ الْكَهْفِ حِينَ نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ صَارَتْ حَدِيثَ النَّوَادِي ، فَكَانَتْ مَثَارَ تَخَرُّصَاتٍ فِي مَعْرِفَةِ عَدَدِهِمْ ، وَحَصْرِ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ فِي كَهْفِهِمْ ، وَرُبَّمَا أَمْلَى عَلَيْهِمُ الْمُتَنَصِّرَةُ مِنَ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ قِصَصًا ، وَقَدْ نَبَّهَهُمُ الْقُرْآنُ إِلَى ذَلِكَ وَأَبْهَمَ [ ص: 291 ] عَلَى عُمُومِ النَّاسِ الْإِعْلَامَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ ، وَهِيَ أَنْ تَتَعَوَّدَ الْأُمَّةُ بِتَرْكِ الِاشْتِغَالِ فِيمَا لَيْسَتْ مِنْهُ فَائِدَةٌ لِلدِّينِ أَوْ لِلنَّاسِ ، وَدَلَّ عِلْمُ الِاسْتِقْبَالِ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَا يَزَالُونَ يَخُوضُونَ فِي ذَلِكَ .
وَضَمِيرُ " يَقُولُونَ " عَائِدٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ ، أَيْ يَقُولُ النَّاسُ أَوِ الْمُسْلِمُونَ ، إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ حَرَجٌ ، وَلَكِنَّهُمْ نُبِّهُوا إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، وَمَعْنَى ( سِينِ ) الِاسْتِقْبَالِ سَارَ إِلَى الْفِعْلَيْنِ الْمَعْطُوفَيْنِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُقْتَرِنِ بِالسِّينِ ، وَلَيْسَ فِي الِانْتِهَاءِ إِلَى عَدَدِ الثَّمَانِيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ الْعِدَّةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ الْخَلْقِ يَعْلَمُونَ عِدَّتَهُمْ ، وَهُمْ مَنْ أَطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ قِصَّتَهُمْ جَاءَتْ عَلَى لِسَانِهِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى عِدَّتِهِمْ ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ .
وَكَأَنَّ أَقْوَالَ النَّاسِ تَمَالَأَتْ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهُمْ فَرْدِيَّةٌ ; تَيَمُّنًا بِعَدَدِ الْمُفْرَدِ ، وَإِلَّا فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ " رَجْمًا بِالْغَيْبِ " .
وَالرَّجْمُ حَقِيقَتُهُ : الرَّمْيُ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِرَمْيِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَلَا تَثَبُّتٍ ، قَالَ زُهَيْرٌ :
وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ
وَالْبَاءُ فِي بِالْغَيْبِ لِلتَّعْدِيَةِ ، كَأَنَّهُمْ لَمَّا تَكَلَّمُوا عَنْ أَمْرٍ غَائِبٍ كَانُوا يَرْجُمُونَ بِهِ .
وَكُلُّ جُمْلَةِ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَجُمْلَةِ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِاسْمِ الْعَدَدِ الَّذِي قَبْلَهَا ، أَوْ مَوْضِعِ الْخَبَرِ الثَّانِي عَنِ الْمُبْتَدَأِ الْمَحْذُوفِ .
وَجُمْلَةُ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الْوَاوُ فِيهَا وَاوُ الْحَالِ ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُبْتَدَأِ الْمَحْذُوفِ ، أَوْ مِنِ اسْمِ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ ، وَهُوَ إِنْ كَانَ نَكِرَةً [ ص: 292 ] فَإِنَّ وُقُوعَهُ خَبَرٌ عَلَى مَعْرِفَةٍ أَكْسَبَهُ تَعْرِيفًا ، عَلَى أَنَّ وُقُوعَ الْحَالِ جُمْلَةً مُقْتَرِنَةً بِالْوَاوِ قَدْ عُدَّ مِنْ مُسَوِّغَاتِ مَجِيءِ الْحَالِ مِنَ النَّكِرَةِ ، وَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ الْوَاوِ فِيهِ دَاخِلَةً عَلَى جُمْلَةٍ هِيَ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ ; لِقَصْدِ تَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الْكَشَّافِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ : وَقَدْ رَدَّهُ السَّكَّاكِيُّ فِي الْمِفْتَاحِ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَمِنْ غَرَائِبِ فِتَنِ الِابْتِكَارِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ : إِنَّ هَذِهِ الْوَاوَ ، وَاوُ الثَّمَانِيَةِ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى بَعْضِ ضَعْفَةِ النُّحَاةِ ، وَلَمْ يُعَيَّنْ مُبْتَكِرُهُ ، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الْحَرِيرِيَّ ، وَبَعْضَ ضَعْفَةِ النُّحَاةِ ; كَابْنِ خَالَوَيْهِ ، وَالثَّعْلَبِيِّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ .
قُلْتُ : أَقْدَمُ هَؤُلَاءِ هُوَ ابْنُ خَالَوَيْهِ النَّحْوِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 370 فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِبَعْضِ ضَعْفَةِ النُّحَاةِ ، وَأَحْسَبُ وَصْفَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ أَخْذَهُ ابْنُ هِشَامٍ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُنِيرِ فِي الِانْتِصَافِ عَلَى الْكَشَّافِ مِنْ سُورَةِ التَّحْرِيمِ ، إِذْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْحَاجِبِ : أَنَّالْقَاضِيَ الْفَاضِلَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ هِيَ الْوَاوُ الَّتِي سَمَّاهَا بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحَاةِ " وَاوَ الثَّمَانِيَةِ " ، وَكَانَ الْقَاضِي يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْرَاجِهَا زَائِدَةً عَلَى الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُورَةِ ، أَحَدُهَا : الَّتِي فِي الصِّفَةِ الثَّامِنَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةَ " ، وَالثَّانِيَةُ : فِي قَوْلِهِ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ، وَالثَّالِثَةُ : فِي قَوْلِهِ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا فِي الزُّمَرِ ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : وَلَمْ يَزَلِ الْفَاضِلُ يَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى أَنْ ذَكَرَهُ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أَبِي الْجُودِ النَّحْوِيِّ الْمُقْرِي ، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَاهِمٌ فِي عَدِّهَا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ وَأَحَالَ الْبَيَانَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ دُعَاءِ الضَّرُورَةِ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ هُنَا ; لِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الصِّفَتَيْنِ فِي مَوْصُوفٍ وَاحِدٍ إِلَى آخِرِهِ .
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي : سَبَقَ الثَّعْلَبِيُّ الْفَاضِلَ إِلَى عَدِّهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَأَقُولُ : لَعَلَّ الْفَاضِلَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، وَزَادَالثَّعْلَبِيُّ قَوْلَهُ تَعَالَى سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ حَيْثُ قَرَنَ اسْمَ عَدَدِ " ثَمَانِيَةَ " بِحِرَفِ الْوَاوِ .
[ ص: 293 ] وَمِنْ غَرِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنْ كَانَ لِحَقِيقَةِ الثَّمَانِيَةِ اعْتِلَاقٌ بِالْمَوَاضِعِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ ; إِمَّا بِلَفْظِهِ كَمَا هُنَا وَآيَةِ " الْحَاقَّةَ " ، وَإِمَّا بِالِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ كَمَا فِي آيَةِ " بَرَاءَةَ " وَآيَةِ التَّحْرِيمِ ، وَإِمَّا بِكَوْنِ مُسَمَّاهُ مَعْدُودًا بِعَدَدِ الثَّمَانِيَةِ كَمَا فِي آيَةِ الزُّمَرِ ، وَلَقَدْ يُعَدُ الِانْتِبَاهُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّطَائِفِ ، وَلَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَعَارِفِ ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ مَضْبُوطٌ فَلَيْسَ مِنَ الْبَعِيدِ عَدُّ الْقَاضِي الْفَاضِلِ مِنْهَا آيَةَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّهَا صَادَفَتِ الثَّامِنَةَ فِي الذِّكْرِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَامِنَةً مِنْ صِفَاتِ الْمَوْصُوفِينَ ، وَكَذَلِكَ لِعَدِّ آيَةِ سُورَةِ الْحَاقَّةِ ، وَمِثْلُ هَذِهِ اللَّطَائِفِ كَالزَّهْرَةِ تُشَمُّ وَلَا تُحَكُّ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةَ " .
وَجُمْلَةُ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِمَا تُثِيرُهُ جُمْلَةُ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ إِلَى آخِرِهَا مِنْ تَرَقُّبِ تَعْيِينِ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ عِدَّتِهِمْ ، فَأُجِيبَ بِأَنْ يُحَالَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ عَلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ ، وَإِسْنَادُ اسْمِ التَّفْضِيلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُفِيدُ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِعِدَّتِهِمْ هُوَ الْعِلْمُ الْكَامِلُ ، وَأَنَّ عِلْمَ غَيْرِهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وَحَدَسٍ قَدْ يُصَادِفُ الْوَاقِعَ ، وَقَدْ لَا يُصَادِفُهُ .
وَجُمْلَةُ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا ; لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ الْأَعْلَمُ يُثِيرُ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ أَنْ يَسْأَلُوا : هَلْ يَكُونُ بَعْضُ النَّاسُ عَالِمًا بِعِدَّتِهِمْ عِلْمًا غَيْرَ كَامِلٍ ، فَأُجِيبَ بِأَنَّ قَلِيلًا مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، وَلَا مَحَالَةَ هُمْ مَنْ أَطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِوَحْيٍ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُمْ لَا يُوصَفُونَ بِالْأَغْلَبِيَّةِ ; لِأَنَّ عِلْمَهُمْ مُكْتَسَبٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ الْأَعْلَمِ بِذَلِكَ .

Comments
Post a Comment